محمد الحفناوي
247
تعريف الخلف برجال السلف
التفسير أيضا فاشتغل بكثير من هذه العلوم حياة أبيه الإمام ودرس فيها . قرأ العربية زمانا طويلا وانتفع به فيه كثيرا ، وختم إقراء « الرسالة » في حياة أبيه ، وكان مع طلبة أبيه أهل فهم وحفظ ودراية ، فإذا بحثوا في شيء أمرهم بالتقييد فيه ويحضر مجلسه كبار الفقهاء ، فصدرت منه أجوبة شهدوا بصوابها وحسنها حتى يقوم بعض الشيوخ فيقبل بين عينيه ، ثم جلس مجلس أبيه بعد موته ، وحضره من يحضر أباه ، ولم يشق عليه أحد منهم ، فجرى على مذهبه نظرا ونقلا وتحقيقا ، واعترفوا بتقديمه حتى كان القاضي علي أبو الحسن المغربي يقول : انتفعت به في أصول الفقه أكثر من أبيه لحسن تقريبه وبسطه ، ثم نقل للجامع الأعظم فأقرأ أحكام عبد الحق ، وفرعي ابن الحاجب ، ويحضره طلبة فاس ، وشأنهم حفظ المسائل والنقل على عادتهم خلاف عادة التلمسانيين ، فيحضره جميعهم فيوفي لكلّ طريقه . حدث الفقيه العدل محمد بن صالح الفاسي أنه كان وجماعة من أصحابه يختبرون حفظه وصحة نقله ، فيأتون بالكتب التي ينقل منها وينظرونها حين نقله عنها ، فلا يغير منها حرفا ، فاعترفوا بحفظه وتحقيقه ، ثم بعد نقله يرجح [ 161 ] ويوجه لشدة ذكائه ، حتى علم الفقيه أبو القاسم بن رضوان رئيس كتبة المغرب حاله ، فذكره للسلطان عبد العزيز ، وبيّن له علو قدره ، فوفّر له في جرايته من غير سعي فيه ، فكان يكثر في إقرائه النقل ، ويحقق الفقه تحقيقا بالغا ، وفي الصيف يقرأ في العلوم العقلية من أصول وبيان وعربية وغيرها ، يقطع نهاره كله فيه بلا فتور ، وكان الطلبة يقسمون الوقت بالرملية ، حتى لم يكن بالمغرب أكثر اجتهادا منه في الإقراء وانتفاع الطلبة ، وارتحلوا إليه من الآفاق . وقال الشيخ الفقيه الصالح الزاهد الورع أبو العباس أحمد بن موسى البجائي وكان ممن رحل إليه وأخذ عنه علما جما : لا يوجد اليوم من يرحل عن هذا البلد